محمد بن جرير الطبري

506

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

أهل دين واجتهاد فيه ، ونصيحة لأنفسهم في ذات الله ، وليسوا كاليهود الذين قد دَرِبُوا بقتل الأنبياء والرسل ، ومعاندة الله في أمره ونهيه ، وتحريفِ تنزيله الذي أنزله في كتبه . ( 1 ) * * * القول في تأويل قوله : { وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ( 83 ) } قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وإذا سمع هؤلاء الذين قالوا : " إنا نَصَارى " = الذين وصفت لك ، يا محمد ، صفتهم أنك تجدهم أقرب الناس مودة للذين آمنوا = ( 1 ) ما أنزل إليك من الكتاب يُتْلى = " ترى أعينهم تفيض من الدمع " . * * *

--> ( 1 ) قال الجصاص في أحكام القرآن 2 : 451 : " ومن الجهال من يظن أن في هذه الآية مدحًا للنصارى ، وإخبارًا بأنهم خير من اليهود . وليس ذلك كذلك ، لأن ما في الآية من ذلك إنما هو صفة قوم قد آمنوا بالله وبالرسول . يدل عليه ما ذكر في نسق التلاوة ، من إخبارهم عن أنفسهم بالإيمان بالله والرسول . ومعلوم عند كل ذي فطنة صحيحة أمعن النظر في مقالتي هاتين الطائفتين ، أن مقالة النصارى أقبح وأشد استحالة ، وأظهر فسادًا من مقالة اليهود . لأن اليهود تقر بالتوحيد في الجملة ، وإن كان فيها مشبهة تنقض ما اعتقدته في الجملة من التوحيد بالتشبيه " . ونقل هذا : أبو حيان في تفسيره ( 4 : 4 ، 5 ) ، ثم قال : " والظاهر ما قاله المفسرون وغيرهم من أن النصارى على الجملة أصلح حالا من اليهود . وقد ذكر المفسرون فيما تقدم ، ما فضل به النصارى على اليهود من كرم الأخلاق ، والدخول في الإسلام سريعًا . وليس الكلام واردا بسبب العقائد ، وإنما ورد بسبب الانفعال للمسلمين . وأما قوله : " لأن ما في الآية من ذلك ، إنما هو صفة قوم قد آمنوا بالله وبالرسول " ، ليس كما ذكر ، بل صدر الآية يقتضي العموم ، لأنه قال : " ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى " ، ثم أخبر أن من هذه الطائفة علماء وزهادًا متواضعين ، وسريعي استجابة للإسلام ، وكثيري بكاء عند سماع القرآن . واليهود بخلاف ذلك . والوجود يصدق قرب النصارى من المسلمين ، وبعد اليهود " . وهذا كلام فيه نظر يطول ، ليس هذا موضع تفصيله ، وإنما نقلته لك لتتأمله وتتدبره . ( 1 ) سياق الكلام : " إذا سمع هؤلاء . . . ما أنزل إليك من الكتاب يتلى " ، وما بين الفعل ومفعوله فصل طويل .